لأول مرة، يصمم الذكاء الاصطناعي جينومات فيروسات كاملة (عاثيات بكتيرية) تعمل وتتكاثر وتقاوم البكتيريا. إليك ما يعنيه إنجاز إيفو 2 وجدل الأمن البيولوجي.
تمكن باحثون من جامعة ستانفورد ومعهد آرك (Arc Institute) من تصميم جينومات كاملة لفيروسات جديدة غير موجودة في الطبيعة باستخدام نموذجي الذكاء الاصطناعي إيفو 1 (Evo 1) وإيفو 2 (Evo 2). ونشرت الدراسة في مجلة Science في 6 أغسطس/آب 2026. وقال براين هي، الأستاذ المساعد في جامعة ستانفورد والمشارك في قيادة البحث، لبي بي سي: «هذه هي المرة الأولى التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي لتصميم جينوم كامل، شيء يمكنه التكاثر وأداء وظائف داخل الخلايا» (بي بي سي، Science).
لأول مرة: الذكاء الاصطناعي يصمم جينوم فيروس كامل
الفيروسات التي صممها الفريق ليست فيروسات بشرية؛ إنها عاثيات بكتيرية (Bacteriophages) تصيب البكتيريا فقط ولا تضر الإنسان (معهد آرك). وسبق أن نشر معهد آرك نسخة مسبقة (preprint) من الدراسة على خادم bioRxiv في 12 سبتمبر 2025، مع ملخص تقني عنها في 17 سبتمبر 2025، قبل قبول النسخة النهائية في Science (معهد آرك).
ووصف براين هي الإنجاز بأنه خطوة تالية في مستوى التعقيد الذي يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تصميمه، مضيفًا: «كانت هذه منطقة جديدة بالنسبة لنا» (بي بي سي).
ما العاثيات البكتيرية؟ ولماذا ΦX174 تحديدًا؟

العاثيات فيروسات تتخصص في إصابة البكتيريا وتنتشر على نطاق واسع في الطبيعة. اختار الباحثون العاثية ΦX174 (فاي-إكس-174) التي تصيب بكتيريا الإشريكية القولونية (إي كولاي) نموذجًا أساسًا؛ جينومها يتكون من 5,386 زوجًا قاعديًا ويضم 11 جينًا فقط (معهد آرك، الجزيرة).
للاختيار خلفية تاريخية: كانت ΦX174 أول جينوم كامل يُسلسل في التاريخ عام 1977 على يد فريد سانغر، وأول جينوم كامل يُخلق كيميائيًا عام 2003 في مختبر كريغ فينتر (معهد آرك). ووجد الباحثون أن أفضل نتائج التوليد تأتي بتحفيز النموذج بأول 4 إلى 9 قواعد من بداية تسلسل العاثية (Ars Technica).
إيفو 1 وإيفو 2: نماذج لغة تتعلم الحمض النووي

إيفو 1 وإيفو 2 «نماذج لغة جينومية» (Genome Language Models)؛ تشبه النماذج اللغوية التي تقوم عليها أدوات مثل ChatGPT، لكنها تتعلم أنماط تسلسلات الحمض النووي بدلًا من الكلمات (الجزيرة، معهد آرك). ودُربت النماذج على جينومات من جميع ممالك الحياة — فيروسات وبكتيريا ونباتات وبشر — بما فيها أكثر من مليوني جينوم عاثية (بي بي سي، معهد آرك).
ثم خضعت لضبط دقيق (Fine-tuning) على 14,466 تسلسلًا من عائلة Microviridae التي تنتمي إليها ΦX174 (معهد آرك). أما إيفو 2، فقد أُطلق كمسودة في فبراير 2025 ونُشر في مجلة Nature في 4 مارس 2026، وهو متاح مجانًا ومفتوح المصدر (مدونة آرك). وطوره معهد آرك وNVIDIA بالتعاون مع ستانفورد وUCSF وUC Berkeley وGoodfire وجامعة واشنطن (معهد آرك). ويثير هذا الانفتاح نقاشًا حول الحوكمة، في سياق سبق أن طرحناه في أمريكا بلا استراتيجية مفتوحة المصدر.
من آلاف التصاميم إلى 16 فيروسًا يعمل
بعد التصفية الحاسوبية بقيت 302 تسلسلًا مرشحًا من بين آلاف التصاميم التي ولدتها النماذج (Ars Technica، ستانفورد). صُنّع 285 منها كيميائيًا وأُدخلت إلى خلايا بكتيرية (Ars Technica، معهد آرك). ونجح 16 فيروسًا في العمل كعاثيات حقيقية: أصابت الإي كولاي وتكاثرت داخلها وأبطأت نموها أو قتلتها (بي بي سي، CNN). من بينها 9 فيروسات بتسلسلات مولدة مباشرة، و7 اكتسبت طفرات إضافية بعد الإدخال (Ars Technica).
حافظت العاثيات الجديدة على تخصصها فلم تصب سوى سلالتين من الإي كولاي (E. coli C وE. coli W)، بينما لم تصب 6 سلالات أخرى (معهد آرك). وحمل كل جينوم وظيفي ما بين 67 و392 طفرة جديدة مقارنة بأقرب جينوم طبيعي؛ وقد تُصنف العاثية Evo-Φ2147، التي تحمل 392 طفرة وتطابق 93% من التسلسل، نوعًا جديدًا ببعض المعايير التصنيفية (معهد آرك). وأظهرت بعض الفيروسات المصممة كفاءة أعلى من العاثية الطبيعية في قتل الإي كولاي (ستانفورد).
الفائدة العلاجية: كوكتيل مصمم يكسر مقاومة البكتيريا
تكمن الأهمية العلاجية في اختبار التغلب على مقاومة البكتيريا. طوّر الفريق ثلاث سلالات من الإي كولاي مقاومة للعاثية الطبيعية عبر طفرات في مورثة waa، ثم جرب «كوكتيل» من العاثيات المصممة بالذكاء الاصطناعي؛ نجح الكوكتيل في التغلب على المقاومة خلال 1 إلى 5 دورات تكاثر، بينما فشلت العاثية الطبيعية وحدها، وفشل أيضًا كوكتيل العاثيات الطبيعية المستخدم للمقارنة (معهد آرك، Ars Technica، الجزيرة). وكانت العاثيات الناجحة «فسيفسائية» (Mosaic)، إذ جمعت عناصر وراثية من تصاميم مولدة مختلفة عبر إعادة التركيب (معهد آرك).
وتأتي هذه النتيجة في سياق أزمة عالمية: أكثر من 2.8 مليون إصابة مقاومة للمضادات الحيوية سنويًا في الولايات المتحدة وحدها، يتوفى منها أكثر من 35,000 شخص، وفق مراكز السيطرة على الأمراض (CDC) (Scientific American).
جدل الأمن البيولوجي: القدرة موجودة والحوكمة غائبة
اتخذ الفريق إجراءات وقائية: استُبعدت من بيانات التدريب جميع الفيروسات القادرة على إصابة الكائنات المعقدة بما فيها البشر، وأُجريت التجارب على سلالات إي كولاي غير ممرضة داخل مختبر آمن (بي بي سي، معهد آرك). وأظهرت اختبارات «التفكير الأحمر» (Red-teaming) أن التسلسلات المولدة للبروتينات الفيروسية الممرضة «عشوائية فعليًا» (معهد آرك).
لكن الجدل لم يتوقف عند ذلك. ففي تعليق مرافق في Science، حذر توماس إنغلسبي وموريتز هانكه من مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي من أن «القدرة على تأليف جينومات فيروسية بالذكاء الاصطناعي أصبحت قائمة؛ أما الحوكمة لتوجيهها بأمان فغير موجودة» (The Guardian، تعليق Science)، وأشارا إلى إمكانية التحايل جزئيًا على استبعاد بيانات التدريب عبر الضبط الدقيق (The Guardian). وذهبت تغطية لاحقة في Scientific American إلى أن البحث يتجاوز سرعة التنظيم، وأن الإجراءات الوقائية «طوعية» في معظمها (Scientific American).
وتذكّر هذه النقاشات جدل اختبارات الأمان للنماذج مفتوحة الوزن، الذي تناولناه في البيت الأبيض يعفي النماذج مفتوحة الوزن من اختبارات الأمان؛ فإيفو 2 نموذج مفتوح المصدر يطرح السؤال نفسه: كيف تُحكم قدرة متاحة للجميع؟
تقييم العلماء وماذا بعد؟
رأى البروفيسور مارك غويل من جامعة بومبيو فابرا أن الدراسة «نقطة تحول بالغة الأهمية»، وقال: «لأول مرة في التاريخ، يبدأ العلماء تصميم علم الأحياء على الحاسوب» (بي بي سي). وقال البروفيسور باتريك كاي من جامعة مانشستر إن نماذج لغة الجينوم بدأت تستوعب «المبادئ التصميمية التي أرساها التطور عبر ملايين السنين»، ما يمهد لكتابة الجينومات بالذكاء الاصطناعي مستقبلًا (The Independent، بي بي سي عربي). أما الدكتور سيمون كلارك من جامعة ريدينغ فوصف الدراسة بأنها «إثبات مبدأ» مهم، مشددًا على أن النماذج المستخدمة لا تشكل خطرًا على صحة الإنسان (فيديو بي بي سي).
ويعكس وصف الباحث الأول صامويل كينغ لحظة نجاح التجربة حجم الترقب: «بدأنا نلاحظ ظهور بقع شفافة على الأطباق، وهذا يعني أنها التهمت البكتيريا، وكانت لحظة مثيرة للغاية» (بي بي سي عربي).
لا توجد بعد تجارب سريرية أو تطبيقات علاجية على البشر؛ التطبيق الحالي «إثبات مبدأ» مخبري على الإي كولاي فقط. وما يُتابَع الآن هو سرعة تطور النماذج المفتوحة مقابل بطء الحوكمة، وقدرة المجتمع العلمي على تحويل هذه القدرة الجديدة إلى أدوات علاجية آمنة ضد مقاومة المضادات الحيوية.










0 تعليقات
لا توجد تعليقات بعد