أمريكا بلا استراتيجية للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر: رسالة جنسن هوانغ وصعود النماذج الصينية المفتوحة يضعان واشنطن أمام نقطة قرار بعد إنفاق مليارات على الرقائق.
في وثائقي رقمي نشرته CNBC في 30 يوليو 2026 بعنوان «أمريكا بحاجة إلى استراتيجية ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر»، خلص التقرير إلى أن واشنطن أنفقت مليارات لحماية طبقة العتاد عبر قانون الرقائق وقيود التصدير، لكنها لا تملك استراتيجية للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، فيما النماذج التي يبني عليها العالم تخرج بشكل متزايد من الصين. وقبل ذلك بأيام، استخدم جنسن هوانغ رئيس إنفيديا أول منشور له على منصة X في 24 يوليو لدعوة واشنطن إلى معاملة الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان «كأصل استراتيجي»، في رسالة وقعتها 25 شركة كبرى.
من سباق الرقائق إلى سباق النماذج
يصف الوثائقي انقسامًا حادًا في صناعة الذكاء الاصطناعي بين النماذج المغلقة (OpenAI ChatGPT وAnthropic Claude وGoogle Gemini) التي يتحكم مزوّدوها بالسعر والقواعد، والنماذج مفتوحة الأوزان (Open-weights) التي يمكن تنزيلها وفحصها وتخصيصها وتشغيلها على البنية التحتية الخاصة بالمستخدم، وغالبًا بتكلفة أقل.
بينما ركّزت استراتيجية واشنطن على العتاد — قانون CHIPS Act لعام 2022 لاستعادة التصنيع، وقيود تصدير الرقائق — تقدّمت الصين في طبقة النماذج نفسها: بدأت بـ DeepSeek التي وُصفت بأنها «صفعة الاستيقاظ» في يناير 2025، ثم نماذج GLM من Z.ai وKimi من Moonshot. وينقل الوثائقي عن مصدر أن «الأغلبية الساحقة من البشر ستستخدم نماذج صينية لأنها مجانية».
ويحذّر بيتر فينتون من صندوق Benchmark من أن فرض قيود على النماذج مفتوحة الأوزان قد «يضعف الولايات المتحدة» بدلًا من حمايتها، مستذكرًا درس أشباه الموصلات: أمريكا اخترعت أشباه الموصلات ثم انتقل تصنيعها إلى تايوان، في درس مفاده أن التقنية الأساسية يجب ألا تعتمد على مصدر خارجي واحد.
رسالة جنسن هوانغ: الأوزان المفتوحة «أصل استراتيجي»
استخدم جنسن هوانغ أول منشور له على X لنشر رسالة موجهة إلى واشنطن جاء فيها أن «الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان أصل استراتيجي»، وأن «النماذج المفتوحة تقوّي الأمان والأمن السيبراني وتسرّع الابتكار وتمكّن السيادة». ووقّع الرسالة 25 شركة، من بينها إنفيديا ومايكروسوفت وميتا وبالانتير وهاغينغ فيس (Hugging Face) وIBM وموزيلا وY Combinator وPerplexity وReplit وMistral، ثم أضافت OpenAI اسمها لاحقًا، وتبعتها Google وإيلون ماسك، بحسب Fortune.
وتحذّر الرسالة من تكرار خطأ التنظيم المفرط الذي قد يدفع الابتكار إلى خارج الولايات المتحدة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول نموذج الأعمال المغلق الذي تعتمده مختبرات مثل OpenAI، وهو موضوع سبق أن تناولناه في «فقاعة OpenAI: هل يواجه العالم أزمة تقنية أعمق من كارثة الدوت كوم؟».
حادثة OpenAI وهاغينغ فيس: نموذج مغلق يخترق ونموذج صيني مفتوح يدافع
في يوليو 2026، شهدت منصة هاغينغ فيس حادثة أمنية كشفت المفارقة من زاوية عملية. فخلال تقييم أمني لنموذج مغلق تابع لـ OpenAI، خرج النموذج «عن السيطرة» واخترق البنية التحتية للمنصة، بحسب البيان المشترك الصادر عن الشركتين. وأرجعت TechCrunch السبب إلى خطأ بشري في إعداد بيئة الاختبار، فيما ذكرت Business Insider أن المحققين حللوا أكثر من 17,000 سجل تركه المهاجم.
وعندما حاول فريق هاغينغ فيس التحقيق باستخدام نماذج مغلقة أمريكية، بينها Fable 5 من أنثروبيك، حالت حواجز الحماية دون ذلك، فاستخدم نموذج GLM 5.2 الصيني مفتوح الأوزان للتحليل والاحتواء. وقال ياسين جيرنيت المسؤول عن التعلم الآلي في هاغينغ فيس لـ CNBC إن «الحواجز لم تستطع تحديد أننا ندافع لا نهاجم». وخلاصة الواقعة، كما صاغها الوثائقي: نموذج أمريكي مغلق تسبب في الحادث، ونموذج صيني مفتوح ساعد في احتوائه.
درس Fable 5: حين أوقفت واشنطن نماذج أنثروبيك بين ليلة وضحاها
في 12 يونيو 2026، أصدرت الحكومة الأمريكية توجيهًا بوقف وصول الأجانب — داخل الولايات المتحدة وخارجها — إلى نموذجي Fable 5 وMythos 5 من أنثروبيك، بحسب بيان الشركة وتقارير Reuters ونيويورك تايمز. ثم رُفعت القيود واستُعيد الوصول في 1 يوليو، كما أعلنت أنثروبيك ونقلت BBC.
وعلّق الراوي في الوثائقي على الواقعة بأن «النموذج المفتوح لا يمكن أخذه بين ليلة وضحاها»، في إشارة إلى أن النموذج المغلق قد يتغير سعره أو قواعده أو ينقطع وصوله بقرار خارج سيطرة الشركة المستخدمة له. ويلفت الوثائقي أيضًا إلى تحذير ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت من أن الشركات يجب أن تتحكم في «حلقة التعلّم» الخاصة بها، حتى لا تبدأ من الصفر عند تبديل النماذج.
ويجد هذا القلق صدى لدى عملاء المؤسسات. ففي مقابلة مع CNBC في 1 يوليو، نقل أليكس كارب الرئيس التنفيذي لبالانتير عن المؤسسات التي يتعامل معها في الولايات المتحدة غضبها من دفعها مقابل «توكنز لا تخلق قيمة»، ومن أن مختبرات النماذج «تسرق أوزان وألفا أعمالها» — أي وصفة تشغيل أعمالها ذاتها.
الصين تتقدم في طبقة النماذج: Kimi K3 وGLM 5.2
أصدرت شركة Moonshot الصينية نموذج Kimi K3 بأوزان مفتوحة بالكامل في 27 يوليو 2026، وهو نموذج بـ 2.8 تريليون معامل، وهو ما يجعله أكبر نموذج مفتوح الأوزان على الإطلاق، بحسب Pure AI، التي تشير إلى أنه حلّ رابعًا بين 189 نموذجًا في تقييم Artificial Analysis. وتأسست Moonshot على يد يانغ زيلين بدعم من علي بابا وتينسنت، وبدأت تحوّلها المفتوح مع Kimi K2 في يوليو 2025 ثم K2.5 في يناير 2026، وفق VentureBeat.
أما GLM 5.2 من Z.ai، فصار أول نموذج صيني يدخل تقييمًا رسميًا من الحكومة الأمريكية. ففي 8 يوليو 2026، خلص تقييم NIST/CAISI إلى أنه «غالبًا النموذج مفتوح الأوزان الأقدر عند إطلاقه»، بقدرات إجمالية مشابهة لـ GPT-5.2 وقدرات سيبرانية مشابهة لـ Opus 4.6. ويضيف VentureBeat أن النموذج — الذي يضم 753 مليار معامل بنمط MoE ورخصة MIT ونافذة سياق مليون توكن — يتفوق على GPT-5.5 في معايير برمجية طويلة الأفق بتكلفة تقارب سُدس التكلفة، وقد أُطلق بعد نحو 48 ساعة من حظر نموذجي Fable وMythos.
وهذه النماذج الصينية المجانية مفتوحة الأوزان هي التي تحوّلت إلى خيار عملي للمطورين والشركات، في موضوع سبق أن تناولناه بالتفصيل في «صراع العمالقة: كيف تعيد نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية تشكيل خارطة الاقتصاد العالمية؟»، مع الإشارة إلى أن وعود المصدر المفتوح لا تتحقق دائمًا، كما ناقشنا في «Qwen 3.8 Max: وعود المصدر المفتوح التي لم تتحقق بعد».
معسكر التحفظ: لماذا ترفض أنثروبيك التوقيع؟
لم يوقّع مختبر أنثروبيك الرسالة، ليصبح المختبر الأمامي الكبير الوحيد في معسكر التحفظ. ويعتبر داريو أمودي الرئيس التنفيذي للمختبر أن الأوزان المفتوحة خطر أمني، لأنها تتيح إساءة الاستخدام السيبراني والبيولوجي، ولا يمكن سحبها بعد إطلاقها، وقد تستغلها أنظمة استبدادية لقمع شعوبها أو تحسين جيوشها، بحسب الوثائقي.
وهكذا يقف الطرفان وجهًا لوجه: معسكر يرى في الأوزان المفتوحة عامل أمان وابتكار وسيادة، ومعسكر آخر يراها تهديدًا لا يمكن احتواؤه بعد الإطلاق.
السيادة الرقمية: نماذج مغلقة أم مفتوحة داخل الحدود؟
تتجاوز هذه المعركة وادي السيليكون. فالوثائقي يذكّر بأن الحكومات لا تريد أن تعتمد أنظمتها الحيوية على عدد قليل من المختبرات الأمريكية، بل تريد ذكاءً اصطناعيًا يعمل داخل حدودها وقوانينها. ولهذا السبب تحديدًا تطرح قضية السيادة الرقمية نفسها على المنطقة العربية: هل تعتمد المؤسسات على نماذج مغلقة تستضيف بياناتها في الخارج، أم تستضيف نماذج مفتوحة الأوزان داخل حدودها وتدربها على بياناتها وقوانينها؟ والخيارات الصينية المجانية تجعل السؤال أكثر إلحاحًا.
ويبقى القرار في نهاية المطاف أمام واشنطن، التي تقف — كما يلخص الوثائقي — عند نقطة قرار بين حماية أبطال اليوم المغلقين، أو الاستثمار في النظام الأوسع الذي قد يجعل الذكاء الاصطناعي الأمريكي أكثر تنافسية وشفافية وصعوبة في الإزاحة. وما دامت النماذج مفتوحة الأوزان التي يبني عليها العالم تخرج من الصين، فإن التأخير في الرد قرار بحد ذاته.







0 تعليقات
لا توجد تعليقات بعد