الأعمال والاستثمار

«الاستحواذ العكسي»: كيف تشتري عمالقة التقنية فرق الذكاء الاصطناعي بدل شركاتها؟

قصة «الاستحواذ العكسي»: كيف تشتري جوجل وأمازون ومايكروسوفت فرق الذكاء الاصطناعي بدل شركاتها؟ صفقات بـ20 مليار دولار وشركات زومبي ورقابة متأخرة.

«الاستحواذ العكسي»: كيف تشتري عمالقة التقنية فرق الذكاء الاصطناعي بدل شركاتها؟

قصة «الاستحواذ العكسي»: كيف تشتري جوجل وأمازون ومايكروسوفت فرق الذكاء الاصطناعي بدل شركاتها؟ صفقات بـ20 مليار دولار وشركات زومبي ورقابة متأخرة.

«الاستحواذ العكسي»: كيف تشتري عمالقة التقنية فرق الذكاء الاصطناعي بدل شركاتها؟

في تحول لافت في طريقة تعامل عمالقة التقنية مع شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة، صارت جوجل وأمازون ومايكروسوفت تستقطب المؤسسين والفرق الأساسية وتدفع مقابل ترخيص تقنياتهم، بدلًا من شراء الشركات نفسها، تاركةً خلفها كيانات شبه فارغة على الورق. ويُعرف هذا النموذج بـ«الاستحواذ العكسي» (Reverse Acquihire)، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن إنفاق الشركات الكبرى عليه تجاوز 20 مليار دولار بين مارس 2024 وأوائل 2026، بهدف واضح هو تجنّب مراجعة مكافحة الاحتكار التلقائية التي تترتب على عمليات الاستحواذ الرسمية.

ما «الاستحواذ العكسي» ولماذا ينتشر الآن؟

تتجنب الشركة الكبرى صفقة الاستحواذ الرسمية كاملة، وتكتفي بتوظيف المؤسسين وأبرز الباحثين مع دفع رسوم ترخيص ضخمة (غالبًا غير حصرية) على النماذج والتقنيات، فتبقى الشركة الناشئة موجودة قانونيًا لكنها تفقد جوهرها وقدرتها على المنافسة. وساعدت مقالات تحليلية نشرتها Fast Company في تعميم المصطلح في يوليو 2024، وأعاد تحليل نشرته قناة Pooja Dutt في 7 أغسطس 2026 إحياء النقاش: فالشركات الكبرى أنفقت أكثر من 20 مليار دولار خلال أقل من عامين دون الاستحواذ الفعلي على أي شركة — رقم يبقى تقديرًا إعلاميًا غير رسمي، لا بيانًا رسميًا. ويأتي ذلك في سوق تشهد تسارعًا غير مسبوق في إطلاق النماذج وتنافسًا محمومًا على الكفاءات.

خريطة الصفقات: خمس صفقات غيّرت القواعد

شركة ناشئة صغيرة أمام حرم شركة تقنية عملاق — صورة توضيحية لعدم تناسب الحجم في صفقات الاستحواذ العكسي

  • مايكروسوفت × إنفليكشن (مارس 2024) — أول صفقة من نوعها: وافقت مايكروسوفت على دفع نحو 650 مليون دولار مقابل ترخيص غير حصري لنماذج إنفليكشن (نحو 620 مليونًا) وحقوق قانونية مرتبطة بالتوظيف الجماعي (نحو 30 مليونًا)، وانضم مصطفى سليمان وكارين سيمونيان لقيادة وحدة Microsoft AI مع نحو 70 موظفًا.
  • أمازون × أديبت (يونيو 2024) — استقطبت أمازون الرئيس التنفيذي ديفيد لوان ونحو 66% من الموظفين مقابل «على الأقل 330 مليون دولار» كترخيص للتقنية، والرقم الرسمي غير منشور؛ وفتحت لجنة التجارة الفيدرالية تحقيقًا غير رسمي في الصفقة في يوليو 2024.
  • جوجل × Character.AI (أغسطس 2024) — صفقة ترخيص بقيمة 2.7 مليار دولار أعادت المؤسس نعوم شازير ودانيال دي فريتاس إلى جوجل، وهي التي أوحت لعنوان صحيفة نيويورك تايمز الشهير: «اشترِ كل شيء ما عدا الشركة».
  • جوجل × ويندسيرف (يوليو 2025) — دفعت جوجل 2.4 مليار دولار واستقطبت الرئيس التنفيذي فارون موهان ونحو 40 موظفًا إلى DeepMind، في صفقة أطاحت بخطة استحواذ كانت OpenAI تخطط لها بنحو 3 مليارات دولار؛ وبعد أيام اشترت Cognition ما تبقى من ويندسيرف في صفقة قدّرتها التقارير بنحو 250 مليون دولار.
  • أمازون × كوفاريانت (أغسطس 2024) — توظيف المؤسسين ونحو ربع الموظفين، فيما قدّرت شكوى مبلّغ في يناير 2025 قيمة الصفقة بنحو 380 مليون دولار واتهمت أمازون بإبقاء الشركة «زومبي» على الورق.

على نحو مختلف قليلًا، استثمرت ميتا نحو 14.3–14.8 مليار دولار في سكيل إيه آي مقابل حصة 49% غير تصويتية، وانضم مؤسسها ألكسندر وانغ إلى ميتا لقيادة مختبر جديد للذكاء الفائق — صفقة تُوصف بدقة باعتبارها استثمارًا يمزج بين التمويل والاستقطاب، لا استحواذًا بالمعنى الرسمي.

الآلية: لماذا يفلت الترخيص غير الحصري من الرقابة؟

يعود السبب إلى عتبات الإشعار في قانون مكافحة الاحتكار الأمريكي (HSR): فالإخطار الإلزامي للجهات التنظيمية لا يُفعَّل إلا عند شراء أسهم أو أصول تتجاوز عتبة مالية محددة، في حين أن توظيف المواهب مع ترخيص غير حصري للتقنية يبقى دون العتبة، ولا يوجد «توقف إلزامي» تنتظر فيه الشركات موافقة الجهات الرقابية بينما تُنهي الصفقة فعليًا وجود المنافس. وقال المفوض مارك ميدور في كلمة رسمية في 15 يناير 2026 إن الشركات «قد تستحوذ على المواهب ليس لاستخدامها بشكل منتج، بل لمنع المنافسين من الوصول إليها»، واصفًا الأمر بـ«الشراء ثم القتل، لكن لليد العاملة فائقة المهارة».

«الشركات الزومبي» والتكلفة البشرية

مكتب شركة ناشئة شبه فارغ مع محطة عمل وحيدة — صورة توضيحية لمفهوم «الشركة الزومبي» بعد الاستحواذ العكسي

الثمن الأكبر يدفعه الموظفون والمستثمرون المتأخرون. ففي شكوى قدّمها مبلّغ إلى لجنة التجارة الفيدرالية وهيئة الأوراق المالية ووزارة العدل في يناير 2025، وثّقت واشنطن بوست اتهامات بأن أمازون أبقَت كوفاريانت «شركة زومبي» على الورق لتحصيل الدفعة الأخيرة من قيمة الصفقة ومنع المنافسين من الوصول إلى تقنيتها. وفي صفقة ويندسيرف، أظهرت تفاصيل لاحقة أن الموظفين المنضمين في العام الأخير لم يحصلوا على شيء تقريبًا، فيما بقي من إنفليكشن بعد صفقتها مع مايكروسوفت نحو 12 موظفًا فقط. بهذا المعنى، يشتري العمالقة «الفريق والفكرة» ويتركون البقية لتحمّل التكلفة.

رقابة تتأخر ثم تتحرك: من CMA إلى مجلس الشيوخ

بدأت الجهات التنظيمية الانتباه متأخرة. ففي 25 يناير 2024 فتحت لجنة التجارة الفيدرالية دراسة رسمية بموجب القسم 6(b) عن استثمارات وشراكات الذكاء الاصطناعي، وأرسلت أوامر إلى خمس جهات: ألفابت وأمازون وأنثروبيك ومايكروسوفت وأوبن إيه آي. وفي بريطانيا، خلصت هيئة المنافسة والأسواق CMA في 4 سبتمبر 2024 إلى أن مايكروسوفت «استحوذت جوهريًا» على قدرات إنفليكشن، لكنها لم تجد «احتمالًا واقعيًا لتقليص المنافسة بشكل كبير» فأقرّت الصفقة. ويتقاطع هذا الملف مع نقاش أوسع حول سياسة الذكاء الاصطناعي في أمريكا.

على الجانب التشريعي، وجّه أعضاء مجلس الشيوخ رسالتين: الأولى في يوليو 2024 من وايدن ووارين وولش طالبوا فيها بالتدقيق في صفقة أديبت، والثانية في 4 فبراير 2026 من وارين ووايدن وبلومنتال طالبوا فيها بتدقيق صفقات ميتا–سكيل وجوجل–ويندسيرف ونفيديا–غروك بوصفها «اندماجات بحكم الواقع» تسعى إلى تجاوز التدقيق المعتاد على عمليات الاندماج والاستحواذ. ومع تولي أندرو فيرغسون رئاسة FTC في يناير 2025، أكد في 16 يناير 2026 أن الوكالة ستراجع صفقات الاستحواذ التوظيفي وتنظر في إصدار إرشادات جديدة بشأنها.

حرب المواهب لا تنتهي: شازير يغادر جوجل إلى OpenAI

أقوى دليل على أن هذا النموذج لا ينهي الصراع على الكفاءات هو ما جرى في يونيو 2026: فبعد نحو 22 شهرًا من صفقة الترخيص البالغة 2.7 مليار دولار، غادر نعوم شازير — أحد قادة نموذج Gemini — جوجل متجهًا إلى OpenAI، وهو نفسه المؤسس الذي أعادته جوجل من Character.AI في 2024. وتواصل OpenAI جذب المواهب في وقت تتجاوز فيه شات جي بي تي مليار مستخدم مع محادثات مجانية بلا حدود، وسط نقاشات متجددة حول الذكاء الاصطناعي والوظائف وعودة التوظيف في الشركات الكبرى.

الخلاصة: ماذا يعني ذلك للمؤسسين والمستثمرين — ودلالات للمنطقة

للنموذج تكلفة واضحة على أصحاب رأس المال المغامر: فمستثمرو إنفليكشن حصلوا على عائد يتراوح بين 1.1 و1.5 ضعف استثمارهم فقط، وهو أقل بكثير مما تتيحه مخارج الاستحواذ التقليدية، فيما يخسر المؤسسون المتبقون والموظفون الجدد معظم القيمة. أما الدرس للمؤسسين فيتمثل في ضرورة التدقيق في شروط الأسهم، وعتبات الإنهاء، وموازنة قيمة الفريق مقابل قيمة المنتج قبل الدخول في مثل هذه الترتيبات.

ورغم أن القصة عالمية، فهي تلامس بيئة الأعمال الخليجية التي تضخ استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي وتشهد سباقًا محمومًا على المواهب، كما يتجلى في فعاليات كبرى مثل معرض LEAP؛ فشروط الحوكمة وتسعير الفرق مقابل الشركات دروس ذات صلة مباشرة بالمستثمرين والرواد هناك. ومع تأكيد FTC استعدادها لإصدار إرشادات جديدة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستمر نموذج «الاستحواذ العكسي» في الازدهار، أم تفرض عليه الجهات الرقابية قواعد جديدة قبل نهاية العام؟

بلال منصوري
بلال منصوري
خبير الذكاء الاصطناعي والأتمتة
خبير متخصص في الذكاء الاصطناعي والأتمتة، يركز على تطوير حلول مبتكرة تساعد الشركات على الاستفادة من أحدث التقنيات في مجال الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاجية والكفاءة.
موصى به
البيت الأبيض يعفي النماذج مفتوحة الوزن من اختبارات الأمان
الأعمال والاستثمار

البيت الأبيض يعفي النماذج مفتوحة الوزن من اختبارات الأمان

قرار البيت الأبيض إعفاء النماذج مفتوحة الوزن من اختبارات الأمان يقلب موازين جدل الانفتاح والإغلاق، ويبقي نماذج مثل Kimi K3 متاحة قانونيًا للشركات العربية.

0 تعليقات

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقا